الجصاص

96

الفصول في الأصول

الأمر بالأداء ، ولا يمتنع مع ذلك قيام الدلالة على وجوب التثبت في خبر بعض المأمورين بالأداء ، وهم الفساق ، كما أن للشاهدين عليهما إقامة الشهادة ، وإن كانا فاسقين ، إذا دعيا ( 1 ) للشهادة ، ( وأنه واجب ) ( 2 ) التثبت في شهادتهما ، ولا يقدح وجوب التثبت في شهادة بعض المأمورين بالأداء ، في صحة الاستدلال بقوله تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) ( 3 ) على قبول شهادة العدلين كما يقول في العموم : إنه يوجب الحكم بما تضمنه لفظه ، ثم لا يمتنع قيام الدلالة على تخصيص بعض ما تناوله اللفظ من جملته . وذكر : أنه ليس توجيه النبي عليه السلام العمال على البلدان واستعمال المعاة على الصدقات - دليل على لزوم العمل بخبر الواحد ، لأن الولاية كانت تثبت عندهم بالتواتر . وأما الأحكام فإنما تثبت بقولهم ، لأن قبول حكم الحاكم واجب على رعيته ، ولا يصح لأحد منهم الاجتهاد في مخالفة رأيه . قال أبو بكر رحمه الله : لم يفرق أحد بين قبول خبر الواحد إذا رواه عن النبي عليه السلام ، وبين قبول أخبار الآحاد من غيره ، وإذ قد وافق على أن الحاكم إذا قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بكذا ، أو أمر بكذا - يوجب العلم بخبره ، فغيره من المخبرين بمنزلته . ومعلوم أن الولاة الذين كان ببعثهم النبي عليه السلام - لم يكونوا يقتصرون في تعليم رعاياهم على ما يتعلق حكمه بالولاة والحكام ، لأن النبي عليه السلام كان يتقدم إليهم بدعاء الناس إلى الإسلام ، ثم إن أجابوا أمرهم بإقامة الصلاة ، وجمل الفروض والعبادات التي يحتاج إليها الكافة ، فدل على أن رعايا الولاة لم يلزمها قبول أخبار الولاة من حيث كانوا حكاما عليهم . يلزمهم التزام أحكامهم ، وإنما لزمها ذلك من حيث أخبرت به الولاة عن النبي عليه السلام . وذكر في شأن مسجد القبلتين وتحريم الخمر : أنه جائز قد كان تقدم عندهم الخبر بذلك من جهات أخرى ، غير خبر المخبر الذي حكى إخباره ، فلا دلالة فيه على أنهم عملوا لخبر الواحد .